لماذا يؤثر التخدير العام على التنفس ولا يؤثر على عمل القلب؟

(من الجميل أن يمر عليك سؤال كنت قد طرحته على نفسك في أحد الأيام)
الجواب سهل ممتنع. في الحقيقة ينوب القلب خلال التخدير العام كثير من التأثيرات الجانبية، إلا أنه يبقى صامدًا. العملية الجراحية تعتبر شدّة كبيرة على الجسم بأسره، وعلى القلب خاصة، فإذا كنتَ من أصحاب القلوب الضعيفة فمكانك ليس في غرفة العمليات.
نعمد خلال التخدير العام لتحقيق أربعة أهداف مركزية:
فقدان الوعي.
فقدان الذاكرة المؤقت (لا أحد يريد أن يتذكر منظر بطنه مفتوحًا فيما يتلاعب أحدهم بأحشائه!).
تثبيط الشعور بالألم.
تحقيق ارتخاء العضلات.
من أجل ذلك نستخدم خلال التخدير العام ثلاثة أنواع رئيسة من العقارات، تتداخل وظائف كل منها في الأخرى إلى درجة ما
المهدئات/المنومات: وهي تحقق فقدان الوعي والذاكرة بالدرجة الأولى.
المسكنات: كمضادات للألم.
المرخيات العضلية: من اسمها، فهي تعمل على إلغاء المقوية العضلية وتحقيق الارتخاء العضلي.
*إن أولى محاولات التخدير العام التي سجلها التاريخ كانت في بلاد ما بين النهرين، إذ استخدم السومريون الكحول والأفيون منذ عام 3400 قبل الميلاد في التخدير العام.
هكذا يبدو نبات الأفيون:
وقبل الخوض في سيناريو التخدير العام، دعونا نتذكر أنواع العضلات الثلاث في جسمنا:
عضلات مخططة أو هيكلية: مثل عضلات الأطراف والصدر والظهر.
عضلات ملساء: مثل عضلات الجهاز الهضمي والعضلات المبطنة للأوعية.
عضلات قلبية: وهي بذاتها نوع متخصص من العضلات.
تكمن الحيلة في التخدير العام أنه يعمل بالدرجة الأولى على العضلات المخططة كعضلات الصدر وعضلة الحجاب الحاجز (والتي تعتبر الأهم في عملية التنفس) دون أن يؤثر مباشرة في العضلات الملساء. هذا عائد طبعًا إلى نوع المستقبلات الخلوية التي تؤثر فيها العقارات المستخدمة في التخدير، إذ تختلف المستقبلات الخلوية وآلية تفعيلها باختلاف نوع النسيج العضلي. ولأن عضلات التنفس تتعرض للارتخاء فنحن بحاجة إلى تنبيب المريض (إدخال الأنبوب الرغامي) من أجل الحفاظ على التنفس. نهدف خلال عملية التنبيب أيضًا إلى سد مجرى المريء، كي لا تدخل المفرزات الصاعدة من المعدة إلى مجرى التنفس في غياب منعكس السعال.
أما فيما يتعلق بالقلب خاصة، فلنتخيل سويةً ما يحصل لدى المريض تحت التخدير العام؛ تعمل المهدئات على تثبيط عمل الجهاز العصبي المركزي، مما يدفع الشخص للشعور بالنعاس -بادئ الأمر- ثم الدخول في نوم عميق (فقدان الوعي)، تترافق هذه العملية بتثبيط للجملة الودية في الجسم مما يقود إلى انخفاض جزئي في المقوية العضلية في العضلات الهيكيلة (كما يرتخي الجسد جزئيًا خلال النوم)، تنخفض تزامنًا المقوية العضلية في الأوعية الدموية، مما يؤدي إلى انخفاض ضغط الدم، يستجيب القلب لانخفاض ضغط الدم بزيادة سرعته حتى يحافظ على الضغط الطبيعي للدم، في الوقت نفسه يفقد القلب الإشارات العصبية القادمة من الجملة الودية -المثبَّطة بفعل المهدئات-. يدخل القلب هنا في حالة من الفوضى؛ هل يزيد من سرعته أم يخفضها؟! ولذا نقول بأن الأشخاص المصابين بقصور القلب يتعرضون لخطر حدوث اضطرابات النظم القلبية (اللانظميات)، أما القلوب القوية فتُبقي الأمور تحت السيطرة. نشأ مؤخرًا تحت اختصاص (مرحلة متقدمة من الاختصاص) يلي طب التخدير يدعى "طب تخدير الصدر والقلب Cardiothoracic anesthesiology" يشرف مختصوه على التخدير في العمليات الجراحية لدى المرضى ذوي الخطورة القلبية العالية.
يبقى أن نذكر أن هناك أنواعًا من التخدير العام السطحي أو المتوسط العمق، وفيه لا نقوم بإرخاء العضلات وبالتالي لا نكون بحاجة لتنبيب الرغامى، بل تعمل فيه العضلات التنفسية والرئتان بوظيفة كاملة، أي يبدو المريض هنا وكأنه نائم بعمق، بالتزامن مع إيصال الأكسجين عبر القنا ع التنفسي بالطبع.
أتمنى ألا تحتاجوا يومًا لأي أنواع التخدير
دمتم بصحة وعافية

جديد قسم : النصائح النفسية